jeudi 9 octobre 2014

مقدمة كتاب " الله و الدولة " باكونين !

 


 
 من على صواب؟ المثاليون أم الماديون؟ عند طرحنا للسؤال بهذه الطريقة يغدو التردد في الإجابة مستحيلاً، وبما لا يقبل الشك سيكون المثاليون على خطأ والماديون على صواب. نعم، فالحقائق تأتي قبل الأفكار، حقًا، فكما قال برودن Proudhon: ليس المثالي إلا زهرة تكمن جذورها في الشروط المادية للوجود. أجل، إن التاريخ الفكري والأخلاقي والسياسي والاجتماعي للبشرية ما هو إلا انعكاس للتاريخ الاقتصادي.
تُجمع مجمل فروع العلوم الحديثة على هذه الحقيقة العظيمة، هذه الحقيقة الأساسية والقاطعة، حقيقة أن العالم الاجتماعي، أو كما يجب تسميته العالم الإنساني أو الإنسانية باختصار، ما هو إلا التطور الأخير والأسمى، على كوكبنا على الأقل، والتجلي الأرقى للحيوانية. لكن كل تطور يتضمن بالضرورة نفيًا إما لقاعدته أو منطلقاته. تعبر الإنسانية عن النفي المدروس والتدريجي للعنصر الحيواني في الإنسان، وهذا النفي بحد ذاته، المنطقي بقدر ما هو طبيعي، وهو منطقي لأنه طبيعي وبالتالي أصبح تاريخيًا ومنطقيًا بحتمية تطور وتحقق كل القوانين الطبيعية في العالم، هذا النفي الذي يؤسِّس المثالي وعالم المعتقدات الفكرية والأخلاقية كأفكار.
نعم، إن لم يكن أجدادنا الأوائل، آدم وحواء، غوريلات فقد كانوا أقرب إليها: حيوانات تقتات على كل شيء، وحوش ذكية وضارية امتلكت دون بقية الحيوانات من الأجناس الأخرى مقدرتين هامتين: القدرة على التفكير، والرغبة بالتمرد.
تمثل هذه القدرات مع حركتها التقدمية عبر التاريخ العامل الأساسي والقوة السلبية في التطور الإيجابي للحيوانية الإنسانية، وتخلق بالتالي كل ما يشكل الإنسانية في الإنسان.
يُعتبر الإنجيل كتابًا ملفتًا وعظيمًا في كونه أقدم التجليات الباقية عن الحكمة والوهم الإنساني. وهو يعبر عن هذه الحقيقة بسذاجة شديدة من خلال خرافة الخطيئة الأولى. كان يهوه، الوحيد من بين بقية الآلهة الذي حظي بتقديس الإنسان له، الأكثر غيرة وغرورًا وضراوة وظلمًا ودمويةً واستبدادية وعدائية تجاه الكرامة والحرية الإنسانية. وقد خلق يهوه آدم وحواء بدوافع نزوة لا نعلم ماهيتها، وبما لا يقبل الشك قد يكون بدواع قتل الوقت الذي يثقل عليه في عزلته الأنانية الأبدية، أو ربما ليخلق عبيدًا جددًا، وبكل كرم وضع تحت تصرفهم الأرض كلها بكامل خيراتها ووضع حدًا واحدًا أمام التمتع الكامل بهذا الكرم؛ فقد منعهم بكل وضوح من لمس شجرة المعرفة على أمل أن يبقى الإنسان المحروم من أي فهم لنفسه وحشًا أبديًا جاثيًا على قوائمه الأربع أمام الرب الأبدي خالقه وسيده. وهنا يأتي دور الشيطان، المتمرد الأبدي والمفكر الحر الأول ومحرر العوالم، هو من يجعل الإنسان يشعر بالعار من جهله وخضوعه الوحشي، هو من يحرره ويدمغ على جبينه ختم الحرية والإنسانية عندما يدفعه إلى عدم الطاعة، وتناول ثمار المعرفة.
نحن نعلم ما حدث بعد ذلك، فالله الخيِّر الذي يتمتع بالبصيرة كإحدى قدراته الإلهية، فشل في رؤية ما سيحدث ودخل في حالة غضب عظيمة وسخيفة، ولعن في إثرها الشيطان والإنسان وكل العالم الذي خلقه بنفسه، وأصاب بذلك نفسه تمامًا كما يفعل الأطفال عندما يغضبون. لم يكتف فحسب بقتل أسلافنا بل لعن سلالتهم ومن سيأتي بعدهم، وهم أبرياء، من جريمة ارتكبها أجدادهم. ينظر رجال اللاهوت الكاثوليك والبروتستانت إلى هذا على أنه عظيم جدًا وعادل، مع أنه وبكل دقة حكم جائر وغير مقبول إلى حد كبير، ولكن يتذكرون آنذاك أن الرب ليس فقط الرب المنتقم والغاضب بل أيضًا رب المحبة. الرب الذي أخذته الشفقة على من تبقى بعد أن عذب مليارات من المخلوقات البشرية المسكينة وحكم عليهم بالجحيم الأبدي، ورغبة منه في إنقاذهم ورأب الخلاف بين محبته الإلهية الأبدية وغضبه الأبدي والإلهي، ولأنه متعطش دومًا للمزيد من الدماء، أرسل إلى العالم ابنه الوحيد، كتكفير، ليقتله البشر. وهذا ما يدعى بسر الفداء؛ أساس كل الطوائف المسيحية. بالرغم من هذا، هل أنقذ المخلص الإلهي العالم البشري؟! لا لم يفعل، ففي الجنة التي وعد بها المسيح كما تقول النصوص الرسمية سيكون المختارون لدخلوها قلة، بينما البقية الغالبية من الأجيال الحالية والقادمة ستحترق في الجحيم إلى الأبد. في الوقت ذاته ومن أجل أن يخفف الرب علينا، ولأنه عادل وطيب كما هو دومًا، أعطى السلطة في الأرض لحكومة نابليون الثالث وويليام الأول وفريناند النمسا والكسندر روسيا.
هذه هي القصص السخيفة والعقائد الوحشية التي كانت تروى وتُعلَّم في وضح النهار خلال القرن التاسع عشر في كل المدارس الحكومية الأوربية وبتوجيه من الحكومات، ثم يدعون هذا تثقيف وتمدين الشعب! أليس واضحًا بأن كل هذه الحكومات هي سجون منظمة وأداة تغبية وتتفيه للجموع؟
أعلم بأنني ابتعدت عن موضوع اهتمامي وذلك لأن الغضب يتمكن مني كلما فكرت بالأدوات المنحطة والإجرامية التي يستخدمونها لإبقاء الأمم في عبودية أبدية بدلاً من تحريرها، وهم الأقدر على ذلك بلا شك. ما هي الجرائم إن قورنت بجريمة الخيانة المرتكبة بحق الإنسانية يوميًا وفي وضح النهار وعلى وجه هذه البسيطة المتحضرة من قبل من تجرأوا على منح أنفسهم صفة أوصياء وآباء للناس؟ والآن أعود إلى خرافة الخطيئة الأولى.
أقرَّ الرب أن الشيطان كان على صواب، وأدرك أن الشيطان لم يغو آدم وحواء عندما وعدهم بالمعرفة والحرية مقابل تمردهم، ولذلك مباشرة وبعد تناول الثمرة المحرمة قال الرب (انظر إلى الإنجيل): "انظر لقد أصبح الانسان مثل الآلهة يميز بين الخير والشر. امنعوه إذًا من أكل ثمرة الحياة الأبدية حتى لا يصبح خالدًا مثلنا".
دعونا الآن ننسى هذا القسم الرائع من هذه الخرافة وننظر إلى معناها الحقيقي والواضح جدًا: لقد خلَّص الإنسان نفسه وفصلها عن الحيوانية مؤسِّسًا بذلك ذاته البشرية، وعلى إثر ذلك بدأ تاريخه البشري المميز بفعل العصيان والعلم أي بفعل التمرد والفكر.
هناك ثلاثة عناصر أو ثلاثة مبادئ أساسية تدخل في تشكيل الشروط الرئيسية للتطور البشري، بشقيه الجمعي والفردي، عبر التاريخ، وهي:
-       أولاً: الحيوانية الإنسانية Human Animality
-       ثانيًا: الفكر
-       ثالثًا: التمرد
العنصر الأول وثيق الصلة بالاقتصاد الاجتماعي والخاص، بينما يتصل العلم بالعنصر الثاني، والحرية بالثالث.
قام المثاليون من جميع الفروع العلمية والأرستوقراطيون والبرجوازيون وعلماء الدين والماورائيون والسياسيون والماديون والمتدينون والفلاسفة والشعراء، ولن ننسى الاقتصاديين الليبراليين ممن أخلصوا في عبادة المثالي عندما أخبروا الإنسان الذي عتق نفسه، بكل ذكائه الرائع وأفكاره السامية وطموحاته اللامحدودة بأنه غير مختلف عن باقي المخلوقات في هذا العالم، أنه مجرد مادة؛ نتاج المادة الدنيئة.
قد نجيبهم على ذلك بقولنا إن المادة التي يتكلم عنها الماديون، مادة حيوية ونشيطة ومنتجة بشكل عفوي ودائم، مادة محددة كيمائيًا أو عضويًا وتظهر بفضل خصائص قوى ميكانيكية وفيزيائية وحيوانية وعاقلة، وهي قوى تنتمي بالضرورة إلى المادة، لا تمت بصلة إلى المادة الدنيئة التي يتكلم عنها المثاليون. فالمادة الدنيئة هي نتاج التجريد الزائف للمثاليين وهي شيء غبي وجامد وغير فاعل؛ شيء عقيم غير قادر على إنتاج شيء، وهم "بشع" يقابله الوهم "الجميل" الذي يدعونه الله. والمادة، هذا الكيان السامي، تختلف عن مادتهم المجردة في أن ماديتها هي جزء من طبيعتها الحقيقية وهي تمثل العدم السامي. لقد سلبوا المادة الذكاء والحياة وصفاتها المميزة والعلاقات الفاعلة فيما بين القوى، سلبوها الحركة بذاتها والتي بدونها ستكون بلا وزن، وبذلك تركوها غير نفاذة وجامدة في المكان. في المقابل عزوا كل هذه القوى والخصائص والتجليات الطبيعية إلى كيان وهمي من صنع خيالهم المجرد، وأطلقوا على هذا المنتج الذي صنعته مخيلتهم، على هذا الشبح، على هذا الإله الفارغ تسمية "الكائن السامي". وكنتيجة حتمية لهذا أعلنوا أن المادة هي الكائن الحقيقي، وأن العالم مجرد عدم. ويأتي هذا الاعلان بعد أن أخبرونا بكل وقار أن هذه المادة بالتحديد غير قادرة على إنتاج أي شيء، غير قادرة على أي شيء البتة، حتى على وضع نفسها في وضع الحركة، وبهذا لا بد أن هذه المادة من اختراع ربهم.
مع نهاية هذا الكتاب سأكون قد فضحت المغالطات وانقلبت بحق على السخافات التي تحكم الفرد، ومصدرها الحتمي هذا التصور الذي يدعى الله، الذي قد يكون كائنًا مشخَّصًا خلق ونظم العوالم أو قد يكون كائنًا غير مشخَّصٍ، نوعًا من الروح الإلهية التي تحيط بكامل هذا الكون وتفرض بذلك قانونها الأبدي، أو قد يكون فكرة، فكرة إلهية سرمدية، فكرة حاضرة فاعلة في العالم وتتجلى دومًا في حاصل كل الكائنات المادية المحدودة. هنا سأناقش فكرة واحدة فقط.
على حد سواء يمكن فهم التطور التدريجي للعالم المادي وللحياة الحيوانية العضوية ولذكاء الإنسان المتطور تاريخيًا سواء كان فرديًا أو اجتماعيًا. فهذا التطور هو حركة طبيعية تمامًا من البسيط إلى المعقد، من الأسفل إلى الأعلى، من الدنيء إلى السامي inferior to the superior. إنه حركة تتسق مع كل خبراتنا اليومية وتتسق أيضًا مع المنطق الطبيعي بما في ذلك القوانين الخاصة بعقولنا التي تطورت فقط بمساعدة هذه الخبرات بالذات، وإن جاز التعبير فهذه الحركة ما هي إلا نسخة عقلية ودماغية أو مجرد خلاصة منعكسة.
تختلف منظومة المثاليين عن هذا تمامًا، إنها الانقلاب على كل التجارب البشرية وعلى كل من الحس السليم العام والشامل والذي يشكل الشرط الأساسي للوعي البشري، هذا الحس الذي ينطلق كحقيقة بسيطة ومتعارف عليها، كحقيقة اثنين ضرب اثنين يساوي أربعة، حتى يصل إلى الاعتبارات العلمية الأسمى والأعقد، مؤكدًا في الوقت عينه أنه ما من شيء قد يقف في وجه أصعب الاختبارات أو في وجه مراقبة الأشياء والحقائق. هذا الحس السليم هو القاعدة الحقيقية للمعرفة البشرية.
وبعيدًا عن التمييز بين مستويات النظام الطبيعي من الأسفل إلى الأعلى، من الدنيء إلى السامي، من البسيط نسبيًا إلى الأكثر تعقيدًا، وبدلاً من مواكبة الحركة الواقعية والتطورية بكل حكمة وعقلانية؛ حركة الانتقال من العالم اللاعضوي إلى العالم العضوي بما في ذلك النبات والحيوان والإنسان على وجه الخصوص، الانتقال من المادة الكيميائية أو الكائن الكيميائي إلى المادة الحية أو الكائن الحي، والانتقال من الكائن الحي إلى الكائن المفكر؛ ارتأى المثاليون أن ينحوا بالتحديد منحى مختلفًا يدفعهم إلى ذلك عماهم وهوسهم بهذا الشبح الإلهي الذي ورثوه عن علماء الدين. فانتقلوا من الأعلى إلى الأسفل، من السامي إلى الدنيء the superior to the inferior، من المعقد إلى البسيط. انطلقوا من عند الله سواء كان شخصًا أو مكونًا إلهيًا أو حتى فكرة. فكانت خطوتهم الأولى إلى تحقيق ذلك سقطة مروعة من القمة العظيمة للمثالية الأبدية إلى مستنقع العالم المادي، من الكمال المطلق إلى اللاكمال المطلق، من الفكرة إلى الكينونة أو بالأحرى من الكينونة السامية إلى العدم. أما متى وكيف ولماذا خلق هذا الكائن الإلهي الأبدي اللامحدود والكامل تمامًا لدرجة الارهاق الإنسان الفاني فهذا أمر لن يقدر أي مثالي أو عالم لاهوتي أو ماورائي أو شاعر أن يفهمه بنفسه أو يشرحه للعلمانيين. تتمفصل كل العقائد الدينية في الماضي والحاضر وكل النظم الروحية عند هذا اللغز الاستثنائي والجائر.
قضى رجال الدين وصناع القوانين والأنبياء والمكرسون حياتهم في البحث عنه ولم يجدوا شيئًا غير التعذيب والموت. تمامًا مثل أبو الهول، هذا اللغز الذي افترسهم لأنهم فشلوا في فهمه. كتب فلاسفة عظام انطلاقًا من هيرقليطوس وأفلاطون حتى تصل إلى ديكارت وسبينوزا ولبينتز وكانط وفيخته وشيلنغ وهيغل بالإضافة إلى الفلاسفة الهنود، أكومًا من المجلدات ووضعوا نظمًا خلاقة وعظيمة في وصف العديد من الأشياء الجميلة والعظيمة وكشف الستار عن العديد من الحقائق الخالدة، ولكنهم تجاهلوا هذا اللغز والموضوع الأساسي الذي تتمحور حوله كشوفاتهم الروحية وبالتالي بقي عصيًا على سبر غوره كما كان في السابق. ولم تثمر جهود الكثير من العباقرة الرائعين المعروفين عالميًا ومن أخذوا على عاتقهم منذ أكثر من ثلاثين قرنٍ مضى هذه المهمة أي شيء سوى تعقيد هذا اللغز أكثر فأكثر. هل هناك أمل في الكشف عنه مستقبلاً عبر التأملات الروتينية لمنهج شديد التدقيق في التفاصيل متصل بفلسفة ما ورائية أعيد احيائها اصطناعيًا وفي وقت تتخلى فيه كل الأرواح الحية والجسورة عن ذلك العلم الغامض، هذا العلم الذي كان نتيجة تسوية ما، تسوية مفهومة تاريخيًا، بين لاعقلانية الإيمان والعقلانية العلمية السليمة؟
من الواضح بأن هذا اللغز لا يمكن تفسيره، وبالتالي منافٍ للعقل، وفقط السخفاء يسلمون به دون وجود تفسير. من الواضح أن من يرى جوهر السعادة والحياة هو رفض المنطق والعودة، إن كان ممكنًا، إلى الإيمان الساذج والأعمى والغبي ويعيد مع كل المؤمنين الصادقين هذه الكلمات التي تختصر جوهر علم اللاهوت: عقيدة السخافات. حينها تذهب كل فرص وجود أي نقاش ولا يبقى شيء سوى الغباء الفائز للإيمان. لكن هذا يستدعي سؤالاً آخر: كيف حدث أن إنسانًا ذكيًا وعارفًا يشعر بالحاجة إلى الإيمان بهذا اللغز؟
ليس هناك شيء أكثر طبيعية من استمرارية الإيمان بالله، الخالق، المُشرِّع، الحاكم، السيد، الغاضب، المُخلص وولي نعمة العالم، بين الناس خاصة في المناطق الريفية حيث ينتشر بشكل أوسع مما ينتشر بين الطبقة العاملة في المدن. ولسوء الحظ لا يزال الناس جاهلين تمامًا وسيبقون في جهل تام بسبب الجهود المنظمة التي تبذلها الحكومات التي تعتبر، بكل منطقية، هذا الجهل أحد الشروط الأساسية المكونة لسلطتهم. ولأن الناس محكومون بأمور العمل اليومي ومحرومون من الراحة ومن التواصل الفكري ومن القراءة، وباختصار من كل وسائل ذلك، بالإضافة إلى ضغط حزمة جيدة من الحوافز طورها الإنسان، غالبًا ما يقبل الناس العادات الدينية بدون نقد وبشكل كبير. وتتحول هذه التقاليد التي تحيط بهم منذ طفولتهم وتغطي كل مواقف حياتهم وتبقى في عقولهم لوفرة كافة أنواع السموم الرسمية (من رجال دين وعلمانيين) إلى شكل من أشكال العادة العقلية والأخلاقية التي غالبًا ما تصبح أقوى من حسهم السليم الطبيعي.
هناك سبب آخر، يوضح إلى حدٍّ ما، ما يبرر المعتقدات السخيفة للناس وهذا السبب هو الوضع المزر الذي يجدون أنفسهم محكومين به والمفروض بسبب التركيبة الاقتصادية للمجتمع في معظم الدول الأوربية المتحضرة. فقد تم اختزال الناس فكريًا وأخلاقيًا وماديًا إلى أقل ما يكون عليه الوجود البشري، بالإضافة إلى حجزهم في حيواتهم كسجناء بدون أفق أو مخرج أو حتى مستقبل، وإن صدقنا ما يقوله الاقتصاديون، سينتهي بهم الأمر، إن لم يشعروا بحاجة إلى الهرب، إلى امتلاك أرواح ضيقة وغرائز البرجوازيين فاقدة الإحساس. لكن إن فكروا بالهرب فهناك ثلاث طرق لذلك؛ اثنان منها محض وهم والثالثة حقيقية. أول طريقين يؤديان إلى متاجر الكحول والكنيسة؛ أي إما إلى انحلال الجسد أو انحلال العقل. أما الطريقة الثالثة والحقيقية فهي الثورة الاجتماعية. وهنا أختم بالقول إن الطريقة الأخيرة ستكون أكثر فاعلية من كل الدعاية اللاهوتية التي يطلقها المفكرون الأحرار ممن يهدفون إلى تدمير آخر ذرة من المعتقدات الدينية والتخلص من عادات الإيمان وعادات أخرى مرتبطة بشكل أوثق مما هو مفترض، وإلى استبدال المتع الوهمية والوحشية لهذا الانحلال الجسدي والروحي بمتع الإنسانية المصقولة والحقيقية والتي ستنمو في كل واحد منا. وسيكون للثورة الاجتماعية في الوقت ذاته السلطة لإغلاق كل متاجر الكحول والكنائس.
إلى أن يأتي ذلك الوقت سيؤمن الناس، كلهم، حتى إن لم يكن لديهم سبب للإيمان، إذ سيمتلكون على الأقل حقًا ما.
هناك فئة من الناس إن لم تؤمن تتصنع الإيمان. وتحوي هذه الفئة على كل المعذبين والمضطهدين وكل مستغلي البشرية من رجال دين وأمراء وساسة وجنود وممولين عامين وخاصين وكافة الموظفين من رجال شرطة وسجانين وجلادين ومحتكرين ورأسماليين وجباة ضرائب ومقاولين وملاكين ومحامين واقتصاديين وسياسيين من كافة الأطياف حتى نصل إلى باعة الحلوى. كل هؤلاء سيرددون معًا كلمات فولتير: "إن لم يوجد الله، سيكون من الضروري اختراعه". لأنه يجب أن تفهم أنَّ "الناس بحاجة إلى دين"؛ إنه صمام الأمان.
توجد فئة كبيرة من الأرواح المخلصة، ولكن الجبانة، ذكية جدًا في أخذ العقائد المسيحية بجدية ورفض تفاصيلها، ومن ذلك لا تملك الشجاعة ولا القوة ولا الحزم الضروري لرفضها جملة وتفصيلاً. سيستخدمون في نقدك كل السخافات الخاصة بالدين ويترفعون عن النظر إلى المعجزات، ولكنهم يتشبثون يائسين بالسخافة الرئيسية ومصدر كل السخافات الأخرى، بالمعجزة التي تفسر وتبرر باقي المعجزات كلها؛ وهي وجود الله. الله الذي يؤمنون به ليس ذلك الكائن الحيوي والجبار، الله الإيجابي بشكل كبير كما هو موضح في اللاهوت: إنه كائن غامض وشفاف ووهمي يختفي في اللحظة التي تحاول فيها امساكه. إنه سراب، سراب لا يدفأ ولا يشع. ومع ذلك فهم يتشبثون به ويؤمنون بأنه لو اختفى فسيختفي معه كل شيء. هم يشكون، هذه الأرواح المريضة فقدت صلتها بالحضارة الحالية وفقدت انتمائها إلى الحاضر والماضي. مجرد أشباح مريضة عالقة بشكل أبدي بين السماء والأرض، محتلين بذلك المكان ذاته تمامًا بين سياسة البرجوازيين واشتراكية البروليتاريا. هم لا يملكون لا السلطة ولا الرغبة ولا التصميم لاعتناق فكرهم، ويضيعون وقتهم وجهدهم في محاولتهم المستمرة لإصلاح ما هو غير قابل للإصلاح. وهم معرفون بين العامة بالاشتراكيين البرجوازيين. سواء معهم أو ضدهم فالنقاش غير مطروح لأنهم ضعفاء.
لكن هناك عدد من الرجال المتنورين ممن سيتجرؤون على الكلام بدون أدنى اعتبار. هؤلاء الرجال يملكون صحة ممتازة وقوة عقل ونية سليمة لا يحلم أحد بوضعها موضع الشك. وأذكر هنا فقط الأسماء التالية: مازيني Mazzini، ميشليت Michelete، كوينت Quinet، وجون ستيورات ميل John Stuart Mill. هؤلاء يملكون روحًا سخية وقوية وقلوبًا عظيمة وعقولاً فذة، وهم كتَّاب جيدون ومن المجددين الأوائل البطوليين والثوريين من أجل أمة عظيمة. هم دعاة ورسل المثالية والناقمين الشديدين على المادية والاشتراكية حكمًا، سواء في الفلسفة أو في السياسة.
ضدهم إذًا سنناقش المسألة التالية:
أولاً، دعوني أوضح أن لا أحد من الرجال المتنورين ممن ذكرتهم ولا حتى أي مفكر مثالي آخر في أيامنا أبدى اهتمامًا بالجانب المنطقي من هذه المسألة، إن جاز لي التعبير. ما من أحد حاول أن يحسم فلسفيًا احتمالية أن الفناء يأتي من الجوانب النقية والأبدية للروح وتنتهي في سراب العالم المادي. هل هم خائفون من مقاربة هذا التناقض غير القابل للحل، وشعروا باليأس من حله بعد فشل أعظم عباقرة التاريخ، أو فقط اعتبروها مسألة محسومة بشكل مرضٍ؟ هذا هو السر. الحقيقة هي أنهم أهملوا التجلي النظري لوجود الله وطوروا فقط البواعث والعواقب العملية. لقد عاملوا المسألة كحقيقة مقبولة بشكل عالمي وبالتالي ليست خاضعة للتشكيك بأي شكل من الأشكال، ووضعوا أنفسهم في حد تأسيس مفهوم الأقدمية وعولمة الإيمان بالله.
هذا الإجماع العام المفروض في أعين الكثير من الرجال والكتَّاب المتنورين، وأن نقتبس فقط عن هؤلاء المشهورين منهم ممن عبروا ببلاغة عن الأمر كجوزف دي ميستري Joseph de Maistre والوطني الإيطالي العظيم جوزيبي مازيني Giuseppe Mazzini، هذا الإجماع العام أكثر أهمية بكثير من كل الشروحات العلمية. وإنْ كان تفكير عدد قليل من المفكرين المنطقيين والأقوياء جدًا، لكن المعزولين، ضد منطقهم، فسيقولون إن هذا ليس سيئًا فهؤلاء المفكرين المحدودين ومنطقهم يتمثلون من أجل التوافق العام الفكرة بالشكل الأكثر عمومًا وبدائية، ويعتبرون شهادة النصر دالةً على صدقها. إن شعور العالم بأجمعه لا يمكن أن يكون خاطئًا، وهذا الاعتقاد مؤسس ومصان بشكل دائم وفي كل مكان. لا بد أن هذا الاعتقاد يعود بجذوره إلى ضرورة متأصلة تمامًا في طبيعة الإنسان. وبما أنها تؤسس لحقيقة أن كل الشعوب في الماضي والحاضر آمنت وستظل تؤمن بوجود الله، فمن الواضح أن هؤلاء التعساء ممن شككوا بالأمر مهما كان المنطق الذي قادهم إلى هذا الشك استثناء شاذ... وحوش.
بالتالي، إن أقدمية وعالمية إيمان ما يجب أن تُعتبر، بشكل يناقض العلم والمنطق، دليلاً كافٍ وغير قابل للدحض. لماذا؟
حتى أيام كوبرنيكوس وغاليلو آمن الجميع بأن الشمس تدور حول الأرض. هل كان الجميع على خطأ؟ هل هناك أمر أكثر قِدمًا وعالميةً من العبودية؟ أكل لحوم البشر على الأغلب. منذ بداية المجتمع التاريخي وحتى اليوم الحاضر كان هناك دائمًا وفي كل مكان استغلال للعمل الإجباري للجموع من عبيد وفلاحين وعمال من قبل أقلية حاكمة، أي قمع الشعب من قبل الكنيسة والدولة. هل يجب أن نستنتج بأن هذا الاستغلال والقمع هما ضرورتان متأصلتان في وجود المجتمع البشري؟ هذه فقط أمثلة تبين أن حجة من يهللون لله لا تثبت شيئًا.
في الحقيقة ليس هناك أكثر عالمية أو قِدمًا من الظلم والعبث والحقيقة والعدالة، أو على العكس هذان الأخيران هما الأقل عالمية وهما السمتان الأكثر حداثة لتطور المجتمع البشري. في هذه الحقيقة أيضًا يكمن تفسير ظاهرة تاريخية مستمرة وهي اضطهاد من أعلنوا أولاً أنهم حصلوا على الحقيقة واستمروا في كونهم دمى بيد الممثلين الرسميين والمميزين والمهتمين لهذا العقائد "العالمية" و"القديمة"، ودمى أحيانًا بيد الجموع نفسها التي تنتهي بعد أن تم تعذيبها على أيديهم إلى تبني أفكارهم واعتبارها عقائد منتصرة.
بالنسبة لنا نحن الاشتراكيين الماديين والثوريين لا يوجد شيء ملفت أو رهيب في هذه الظاهرة التاريخية. لأننا أقوياء بضمائرنا في محبتنا للحقيقة مهما كانت المخاطر، وفي شغفنا بالمنطق الذي يشكل لوحده قوة عظيمة، والذي لا يوجد تفكير خارجه. لأننا أقوياء في شغفنا بالعدالة وإيماننا القوي بانتصار الإنسانية فوق كل الفظائع النظرية والعملية. أخيرًا، لأننا أقوياء في ثقتنا المتبادلة ودعمنا لبعضنا ومن قبل القلة التي تشاركنا معتقداتنا نقصي أنفسنا من كل توابع هذه الظاهرة التاريخية والتي نعتبرها إظهارًا للقانون الاجتماعي كقانون طبيعي، كقانون ضروري وثابت كما هي القوانين التي تحكم العالم.
هذا القانون هو نتيجة منطقية وحتمية للجذر الحيواني للمجتمع البشري. وذلك على ضوء كل الاثباتات العلمية والفسيولوجية والسيكولوجية والتاريخية التي تراكمت حتى اليوم الحالي، وعلى ضوء الخروقات المتمثلة في غزو الألمان لفرنسا، الذي يشكل بحد ذاته اثباتًا صارخ على أنه لا يمكن الشك بوجود هذا الجذر. لكن من اللحظة التي يتم فيها قبول هذا الأصل الحيواني في الإنسان يغدو كل شيء واضحًا. وبالتالي يبدو التاريخ بالنسبة لنا رفضًا ثوريًا. الآن بشكل أبطأ غير مبالٍ وكسول، حماسيًا وقويًا للماضي. ويتكون بالتحديد من الرفض المستمر للحيوانية البدائية للإنسان من خلال تنمية إنسانيته. الإنسان كحيوان بري وقريب من الغوريلا خرج من الظلام العظيم للغريزة الحيوانية إلى نور العقل الذي وضح بطريقة طبيعية تمامًا كل الأخطاء الماضية، ويواسينا على أخطاءه الحالية consoles us for his present errors. لقد تحرر الإنسان من العبودية الحيوانية ودخل في عبوديته الإلهية وهي حالة مؤقتة بين مرحلة الحيوانية والإنسانية، فهو الآن يتوجه نحو ادراك والوصول إلى حريته البشرية. متى تبين لنا أن مفهوم أقدمية إيمان ما أو فكرة ما أبعد من أن تثبت شيئًا لصالحها يجب أن يقودنا هذا إلى التشكيك بها. لأن وراءنا مرحلة الحيوانية وأمامنا مرحلة الإنسانية: النور البشري الذي من شأنه وحده أن يدفئنا وينورنا والوحيد الذي سيحررنا ويعطينا الكرامة والحرية والسعادة ويجعلنا ندرك الأخوة بيننا، تلك التي لم تكن في البدايات ولكنها موجودة بشكل نسبي في المرحلة التي نعيشها الآن، والموجودة في نهاية التاريخ. لنكف إذًا عن النظر إلى الوراء وننظر إلى الأمام لأن الأمام هو نور الشمس، لأن الأمام هو خلاصنا. وإذا كان مبررًا بل مفيدًا وضروريًا أن ندرس الماضي فسيكون ذلك فقط من أجل أن نرسخ ما كنا عليه وما لا يجب أن نكونه، ما اعتقدنا وآمنا به وما لا يجب أن نعتقد ونؤمن به، ما فعلناه وما لا يجب فعله بعد الآن.
بالنسبة لـ فكرتَّي "أقدمية" و"عالمية" فهما أثبتتا شيئًا واحدًا ألا وهو "التماثل"، وإن لم يكن تطابقًا كاملاً، في الطبيعة البشرية في كل المراحل وتحت كل السموات. وبما أنه تم تأسيس فكرة أن الشعوب في كل مراحل حيواتها آمنت وما زالت تؤمن بالله، فعلينا بكل بساطة أن نستنتج أن الفكرة الإلهية هي نتيجة ذواتنا وخطأ ضروري تاريخيًا في تطور الإنسانية، ونسأل لما وكيف حدثت في التاريخ ولماذا غالبية هائلة من الجنس البشري ما تزال تقبلها كحقيقة.
حتى ذلك الوقت الذي نتحمل فيه مسؤولية الطريقة التي تطورت فيها فكرة العالم الغيبي والإلهي والتي ستستمر بالتطور عبر الارتقاء التاريخي للضمير البشري، ستكون كل حججنا العلمية لإثبات سخافتها مضيعة للوقت. حتى ذلك الحين لن ننجح في تدميرها في رأي الغالبية لأننا لن نتمكن من مهاجمتها في أعمق أعماق الكينونة البشرية حيث ولدت. لأننا محكومون بصراع عقيم بدون بداية أو نهاية. يجب أن نقنع أنفسنا بمحاربتها ليس بشكل سطحي بل محاربة كل مظاهرها العديدة، والتي هي بالكاد سخافات ستندحر تحت ضربات الحس السليم قبل أن تعود للظهور بشكل ليس أقل حمقًا. في الوقت الذي ما يزال فيه الإيمان بالله، وهو جذر كل السخافات التي تعذب العالم، سليمًا فهو لن يفشل في استقدام سلالة جديدة. والآن وعلى عتبات محددة من المجتمع التاريخي تنحى الروحانية إلى الظهور على أنقاض المسيحية.
ليس فقط من أجل مصالح الجموع بل من أجل صحة عقولنا علينا الكفاح لفهم البدايات التاريخية وتوالي الأسباب التي طورت وأنتجت فكرة الله في وعي البشر. من العبث أن ندعو ونؤمن بأننا ملحدون ما لم نستوعب هذه الأسباب، وحتى ذلك الوقت علينا أن نجهد أنفسنا دومًا في ألا تحكمنا جعجعة هذا الضمير العالمي الذي لم نكتشف سره بعد. وإن لم نأخذ بعين الاعتبار الضعف الطبيعي من التأثير القوي للأوساط الاجتماعية التي تعيق الفرد والموجود حتى في أقوى الأفراد سنكون دومًا معرضين لخطر الانتكاس عاجلاً أم آجلاً وبطريقة أو بأخرى إلى هوة السخافة الدينية. وتكثر الأمثلة على هذه الارتدادات المشينة في مجتمع الوقت الراهن.


ترجمة : عزة حسون

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire